السيد علي عاشور
55
موسوعة أهل البيت ( ع )
صاحب الزمان يمشي في الدار ، فلم أر لغة أفصح من لغته فتبسّم أبو محمّد فقال : إنّا معاشر الأئمّة ننشأ في كل يوم كما ينشأ غيرنا في الشهر ، وننشأ في الشهر كما ينشأ غيرنا في عصر السنة . قالت : ثمّ كنت بعد ذلك أسأل أبا محمد عنه فقال : استودعناه الذي استودعت أمّ موسى ولدها عنده « 1 » . الخامس : ممّن رآه في حياة أبيه عليهما السّلام : وفي البحار عن جماعة من الشيعة منهم علي بن بلال وأحمد بن هلال ومحمد بن معاوية بن حكيم والحسن بن أيوب بن نوح في خبر طويل مشهور قالوا جميعا : اجتمعنا إلى أبي محمد الحسن بن علي عليه السّلام نسأله عن الحجّة من بعده ، وفي مجلسه أربعون رجلا ، فقام إليه عثمان بن سعيد العمري فقال له : يا بن رسول اللّه أريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به منّي . فقال عليه السّلام له : إجلس يا عثمان ، فقام مغضبا ليخرج فقال : لا يخرجنّ أحد ، فلم يخرج منّا أحد إلى أن كان بعد ساعة ، فصاح عليه السّلام بعثمان فقام على قدميه قال : أخبركم لم جئتم ؟ قالوا : نعم يا بن رسول اللّه . قال : جئتم تسألونني عن الحجّة من بعدي . قالوا : نعم . فإذا غلام كأنّه قطع قمر أشبه الناس بأبي محمّد عليه السّلام فقال : هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم ، أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم ، ألا وإنّكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتّى يتمّ له عمر ، فاقبلوا من عثمان ما يقوله وانتهوا إلى أمره واقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم والأمر إليه « 2 » . السادس : ممّن رآه في حياة أبيه عليهما السّلام : في الاحتجاج وتبصرة الولي باختلاف يسير عن سعد بن عبد اللّه القمي قال : كنت امرأ لهجا بجمع الكتب المشتملة على غوامض العلوم ودقائقها ، كلفا « 3 » باستظهار ما يصحّ من حقائقها ، مغرما بحفظ مشتبهها ومستغلقها ، شحيحا على ما أظفر به من معاضلها ومشكلاتها ، متعصّبا لمذهب الإمامية ، راغبا عن الأمن والسلامة في انتظار التنازع والتخاصم والتعدّي إلى التباغض والتشاتم ، معيبا للفرق ذوي الخلاف ، كاشفا عن مثالب أئمّتهم ، هتّاكا لحجب قادتهم إلى أن بليت بأشدّ النواصب منازعة وأطولهم مخاصمة وأكثرهم جدلا وأشنفهم سؤالا وأثبتهم على الباطل قدما . فقال ذات يوم وأنا أناظره : تبّا لك ولأصحابك يا سعد ، إنّكم معاشر الرافضة تقصدون على المهاجرين والأنصار بالطعن عليهما وتجحدون من رسول اللّه ولايتهما وإمامتهما ، هذا الصدّيق الذي فاق جميع الصحابة بشرف سابقته ، أما علمتم أنّ رسول اللّه ما أخرجه مع نفسه إلى الغار إلّا علما منه بأنّ الخلافة له من بعده ، وأنّه هو المقلّد من أمر التأويل ، والملقى إليه أزمّة الامّة ، وعليه المعوّل في شعب الصدع ولمّ الشعث وسدّ الخلل وإقامة الحدود وتسريب الجيوش لفتح بلاد الشرك ، كما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته ؛ إذ ليس من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة إلى مكان يستخفي فيه ؟ ولمّا رأينا النبيّ متوجّها إلى الانجحار « 4 » ، ولم تكن الحال توجب
--> ( 1 ) الخرائج والجرائح : 1 / 466 . ( 2 ) غيبة الطوسي : 357 . ( 3 ) كلفا : أي مولعا . ( 4 ) الانجحار : الاستتار .